الشيخ محمد الخضري بك
217
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
وفود عدي بن حاتم فخرج حتى جاء المدينة ، ولقي رسول اللّه فقال عليه الصلاة والسلام : من الرجل ؟ قال عدي بن حاتم ، فأخذه إلى بيته وبينما يمشيان إذ لقيت رسول اللّه امرأة عجوز ، فاستوقفته ، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها ، فقال عدي : واللّه ما هو بملك . ثم مضى رسول اللّه حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوّة ليفا فقدمها إلى عدي ، وقال : اجلس على هذه ، فقال : بل أنت تجلس عليها ، فامتنع عليه الصلاة والسلام ، وأعطاها له ، وجلس هو على الأرض ، ثم قال : يا عدي أسلم تسلم قالها ثلاثا ، فقال عدي : إني على دين وكان نصرانيا فقال عليه الصلاة والسلام : أنا أعلم بدينك منك ، فقال عدي : أأنت أعلم بديني منّي ؟ قال : نعم . ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم . ثم قال : يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدّين ما ترى ، تقول : إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم ، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم ، فو اللّه ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلّة عددهم ، أتعرف الحيرة ؟ قال : لم أرها وقد سمعت بها ، قال : فو اللّه ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم اللّه ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم « 1 » فأسلم عدي رضي اللّه عنه وعاش حتى رأى كل ذلك . غزوة تبوك « 2 » بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده ، وكان ذلك
--> ( 1 ) رواه البخاري بلفظ قريب من هذا وقال السهيلي : حديث إسلامه صحيح عجيب خرّجه الترمذي . ( 2 ) هو موضع بين وادي القرى والشام ، بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة ، وهي غزوة العسرة ، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة وهي اخر غزواته صلّى اللّه عليه وسلّم . وتبوك سميت بعين تبوك وهي العين التي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس ألا يمسوا من مائها شيئا فسبق إليها رجلان ، وهي تبض بشيء من ماء ، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها ، فسبّهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال لها ما زلتما تبوكانها منذ اليوم . وقد روى مالك ومسلم بعد هذا اللفظ راجع فتح الباري .